الشيخ محمد رشيد رضا

307

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من حكمته وسنته في خلقه ، وما يقتضيه كل منهما من الجهاد وصالح الأعمال ، فكانوا بهذه الغفلة كالفريق الأول الذي لا يرجو لقاءنا ، في أن كلا منهما تشغله دنياه عن آخرته ، فلا يستعد لحسابنا له ، وما يتلوه من نعيم مقيم أو عذاب أليم * * * أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ الإشارة بأولئك إلى الفريقين أي مأواهم في الآخرة دار العذاب ( النار ) بما كانوا يكسبون مدة حياتهم الدنيا من الخطايا والذنوب المدنسة لأنفسهم بخرافات الوثنية ، وأعمال الشهوات الحيوانية وظلمات المظالم الوحشية ، واستمرارهم عليها الذي دنس أنفسهم وأحاط بها ، فلم يعد لنور الحق والخير مكان فيها . والمأوى في أصل اللغة الملجأ الذي يأوى إليه المتعب أو الخائف أو المحتاج من مكان آمن أو إنسان نافع ، كما ترى في استعمال أفعاله في جميع الآيات كقوله تعالى ( أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ * وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا * * آوى إِلَيْهِ أَخاهُ * أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) الخ إلا لفظ المأوى فإنه أطلق على الجنة في ثلاث آيات وعلى النار في بضع عشرة آية منها آية يونس هذه ، وفي تسمية دار العذاب مأوى معنى دقيق في البلاغة دخيل في أعماقها ، فائض من جميع أرجائها ، يشعرك بأن أولئك المطمئنين بالشهوات والغافلين عن الآيات ليس لهم مصير يلجؤن إليه بعد هول الحساب إلا جهنم دار العذاب ، فويل لمن كانت هذه الدار له كالملجأ والموئل ، إذ لا مأوى له يلجأ إليه بعدها . * * * هذا بيان لجزاء الفريق الأول من المكلفين بقسميه والقارئ والسامع له تستشرف نفسه لجزاء الفريق الآخر والعلم بسببه وقد بينه بقوله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ أي يهديهم بسبب إيمانهم به صراطه المستقيم في كل عمل من أعمالهم التي تزكى أنفسهم وتهذب أخلاقهم . وصفهم أولا بالإيمان والعمل الصالح الذي هو لازم الإيمان ومغذيه ومكمله بصيغة الماضي لبيان صنفهم وفريقهم المقابل للفريق الذي ذكر قبلهم ، وأخبر بهداية إيمانهم لهم بصيغة المضارع الدالة على الاستمرار والتجدد ، كما أخبر عن كسب الكفار بهذه الصيغة ، وجعل الايمان وحده سبب هذه الهداية لأنه هو الباعث النفسي لها ، والمعنى أنه يهديهم الصراط